نورالدين علي بن أحمد السمهودي
236
وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )
لهم قرارا ولا نارا ولا بناء ، فقام أبو سفيان فقال : يا معشر قريش ، والله ما أصبحتم بدار مقام « 1 » ، لقد هلك الكراع والخف ، وأخلفتنا بنو قريظة ، ولقينا من شدة الريح ما ترون ، فارتحلوا فإني مرتحل ، فتحملت قريش وإن الريح لتغلبهم على بعض أمتعتهم ، وسمعت غطفان بما فعلت قريش فانشمروا « 2 » راجعين إلى بلادهم ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا » . وفي الذيل على أخبار المدينة لابن النجار لصاحبه العراقي عن الكلبي أنه قال : إن الملائكة اتبعوا الأحزاب حتى بلغوا الروحاء يكرون في أدبارهم ، فهربوا لا يلوون على شيء « 3 » ، والله أعلم . ثم كانت غزوة بني قريظة . غزوة بني قريظة قلت : قال أبو الربيع الكلاعي في الاكتفاء : ولما أصبح رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم انصرف عن الخندق راجعا إلى المدينة ومعه المسلمون ، فلما كانت الظهر أتاه جبريل - ويقولون فيما ذكر ابن عقبة أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم كان في المغتسل عندما جاءه جبريل ، وهو يرجّل رأسه « 4 » ، قد رجّل أحد شقيه ، فجاءه جبريل على فرس عليه اللأمة وأثر الغبار ، حتى وقف بباب المسجد عند موضع الجنائز ، فخرج إليه رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم فقال له جبريل : غفر الله لك ! قد وضعتم السلاح ؟ قال : نعم ، قال جبريل : ما وضعت الملائكة السلاح بعد ، وما رجعت إلا من طلب القوم ، إن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة ، فإني عامد إليهم فمزلزل بهم ، اه . وفي رواية أخرى أنه قال : انهض إليهم فلأضعضعنهم ، فأدبر جبريل ومن معه من الملائكة حتى سطع الغبار في زقاق بني غنم من الأنصار ، وأصله في البخاري في باب مرجع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من الأحزاب من رواية أنس ، قال : كأني أنظر إلى الغبار ساطعا في سكة بني غنم من موكب جبريل . ورواه ابن سعد من طريق حميد بن هلال مطولا ، لكن ليس فيه أنس ، وأوله : كان بين النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وبين بني قريظة عهد ، فلما جاءت الأحزاب نقضوه وظاهروهم ، فلما هزم الله الأحزاب تحصنوا ، فجاء جبريل فقال : يا رسول الله ، انهض إلى بني قريظة ، فقال : إن
--> ( 1 ) دار المقام : مكان الإقامة . ( 2 ) انشمروا راجعين : انكفأوا عائدين أدراجهم . ( 3 ) لا يلوون على شيء : لا يهتمون لشيء . ( 4 ) رجّل رأسه : سوّى شعره وزيّنه .